نماذج عملية فى مساعدة الآخرين

بقلم : مؤمن القاضى
التاريخ : 2010-10-23 09:27:39 , عدد المشاهدات : 355

 

 

 

 

نماذج عملية في قضاء حوائج الناس


 

 

 

 

 

 


 

 

بقلم: د. حسن المرسي

 

الصورة غير متاحة

 

 

 

 

 

 

 

الدعوة إلى الله ليست منبرًا لعرض الأفكار والنظريات، والداعية ليس (مذياعًا) يردِّد الأفكار المجردة فحسب، بل إن الدعوة والداعية يجب أن ينتقلا نقلة نوعية تجعلهما يعيشان هموم الناس، ويحملان بقسط وافر من هذه الهموم.

 

وهذا الأمر ليس من قبيل الدعاية والمتاجرة كما هو الشأن لدى الأحزاب، وإنما هو مبدأ في صلب المنهج الإسلامي لا يصلح الإسلام إلا به، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول:

 

 "من بات ولم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم".

 

 

وهي عبادة نتقرب إلى الله تعالى بها حسب مقدرتنا، كما في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

 

"لن تسعوا الناس بأموالكم فليسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق"

 

(أخرجه بن أبي شيبة في مصنفه وأبو يعلي في مسنده وحسنه العلامة الألباني في صحيح الترغيب والترهيب).

 

فالداعية يدور حول مجتمعه وحول المسلمين وليس حول ذاته، ويعيش لسواه لا لنفسه، ويوفر الراحة للآخرين ولو على حساب راحته، بل إن الداعية بحق هو الذي تسعده سعادة الآخرين وتشقيه شقاوتهم، يرتاح إذا ارتاحوا ويطمئن إذا اطمأنوا، ويسعد إذا سعدوا.

 

فالمسلم يتفقد المجتمع الذي يعيش فيه من:

رعاية الأرامل والأيتام والمساكين.

وأعمال النظافة للشوارع والمرافق العامة.

والتخفيف عن الناس من تفريج الكربات.

والصلح بين المتخاصمين وإزالة أسباب الجفاء.

وتجهيز الميت ودفنه.

وإطفاء الحريق.

وإغاثة الملهوف والمنكوب.

وقضاء حوائج الناس.

ورعاية المسنين.

ورعاية المرضى وخدمتهم.

وأعمال الإغاثة.

 

يقول الشهيد سيد قطب رحمة الله عليه:

 

(فالناس في حاجة إلى كنف رحيم، وإلى رعاية فائقة، وإلى بشاشة سمحة، وإلى ود يسعهم، وحلم لا يضيق بجهلهم وضعفهم ونقصهم، في حاجة إلى قلب كبير يعطيهم ولا يحتاج منهم إلى عطاء، ويحمل همومهم ولا يعينهم بهمه، ويجدون عنده دائمًا الاهتمام والرعاية والعطف والسماحة والود والرضا، وهكذا كان قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والصالحين).

 

أعرف داعية كثير الجلوس إلى الناس والاستماع إليهم حتى غدا بيته مقصدًا للناس ومرجعًا لهم، يبثون فيه همومهم ويستقضون فيه حوائجهم، ويحلون عن طريقه مشاكلهم، ولقد شق هذا على بعض أصحابه، واعتقدوا ذلك مضيعة للوقت وشغلاً عن الدعوة، ولم يعلم هؤلاء أن هذا هو ميدان الدعوة العملي، وأن هذا هو الطريق الذي يوصل بالناس وصلاً مباشرًا، فالدعوة الناجحة هي الدعوة الموصولة بقضايا الناس؛ لأنها عند ذلك تكون موصولة بقلوبهم ومشاعرهم.

 

وهذا الداعية وإخوانه من الوجوه الجميلة الرائعة التي لا تبحث عن شهرة أو تسعى إلى ثناء أو مدح، هؤلاء الناس هم أكثر حبًّا وأكثر تقديرًا، وأهم من ذلك كله هم أكثر الناس سعادةً لأن كل من خدموهم يدعون لهم بالخير والصحة والسعادة (طبعًا ليس كل العاملين مكلفين بكل هذا، ولكن لكل واحد من أحباب الدعوة حظه ونصيبه منها حسب توظيفه وحسب طاقته وميوله وحاجة الدعوة).

 

يقول صلى الله عليه وسلم:

 

 "إن لله خلقًا خلقهم لقضاء حوائج الناس، يفزع الناس إليهم في حوائجهم، أولئك الآمنون من عذاب الله عز وجل".

 

 

القرآن والمجتمع

 

القرآن يدعو إلى التكافل الاجتماعي بين الأغنياء والفقراء فيقول تعالى: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (22)﴾ (النور).

 

وحقيقة المجتمع المسلم ما أقيم فيه التكامل على أوسع صوره، وقام أفراده برعاية المحتاج من الفقراء والمساكين وإغاثة الملهوف وفك الأسير وحماية المستضعف من اليتم والتشرد، فالقرآن يقول: ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (16)﴾ (البلد)، ويقول تعالى: ﴿كَلاَّ بَل لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17) وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (18)﴾ (الفجر).

 

 بل يجعل القرآن من لا يقوم بواجب هذه الفئات مكذبًا بالدين غير مصدق ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (3)﴾ (الماعون).

 

 

 

   نماذج من قضاء حوائج المسلمين

 

وهذه في البداية..

نماذج من الرسل عليهم السلام...

الرسل عليهم السلام لم يكونوا يتقوقعون في حصونهم يحرسهم أتباعهم أو ينظرون من وراء جدر، بل كانوا يخرجون إلى الناس، يعيشون بينهم، ويأكلون مثل طعامهم، ويمشون في أسواقهم، يتعرفون على أحوالهم، ويحبون الخير لشعوبهم، ومن هو كذلك لا يتهرب من مشاكلهم ولا يتوارى عند تلاطم همومهم ويقول (أنتم وشأنكم)، وإنما يقدم نفسه وعقله يتبنى هموم قومه يذلل ويدفع ويزيل وكذلك كانوا- صلوات الله وسلامه عليهم-.

 

يوسف عليه السلام

 

يوسف عليه السلام ما فتئ إن مكن له الله في قلب الملك إلا وطلب منه تبني هموم الناس فقال: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55)﴾ (يوسف)، وما كان يطلب يوسف عليه السلام ذلك إلا أنه علم أنه لا أحد يقوم مقامه في العدل والإصلاح وتوصيل الفقراء لحقوقهم فرأى أن ذلك فرض عليه فطلبه، يقول الأستاذ سيد قطب: (لم يكن يوسف يطلب لشخصه وهو يرى إقبال الملك عليه أن يجعله على خزائن الأرض إنما كان حصيفًا في اختيار اللحظة التي يستجاب له فيها لينهض بالواجب المرهق الثقيل ذي التبعة الضخمة في أشد أوقات الأزمة، وليكون مسئولاً عن إطعام شعب كامل وشعوب كذلك تجاوره طوال سبع سنوات، لا زرع فيها، فليس هذا غنمًا يطلبه يوسف لنفسه، فإن التكفل بإطعام شعب جائع سبع سنوات متوالية لا يقول أحد إنه غنيمة إنما هي تبعة يهرب منها الرجال؛ لأنها قد تكلفهم رءوسهم، والجوع كافر، وقد تمزق الجماهير الجائعة أجسادهم في لحظات الكفر والمنون).. إنما هي همة يوسف عليه السلام.. وهمة الصالحين.

 

موسى وهارون عليهما السلام

 

عندما يقولا لفرعون: ﴿إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ (طه: من الآية 47)، لم يكونا لينسيا هموم جماهيرهم من بني إسرائيل وهم تحت سلطان فرعون الباطش وإنما قدما ما يهم الناس؛ لأن هم الناس ومشاكلهم من قضايا الدعوة والواجب مراعاتها ورفع الظلم عنهم.

 

إن أصحاب النجدة والمروءة لا تسمح لهم نفوسهم بالتأخر أو التردد عند رؤية ذوي الحاجات، فيتطوعون بإنجاز وقضاء حوائجهم طلبًا للآخرة والثواب من الله تعالى.

 

موقف آخر لموسى عليه السلام...

انظر إلى الشهم الكريم نبي الله موسى عليه والسلام حين فرَّ هاربًا من بطش فرعون وقد أصابه الإعياء والتعب، فلما ورد ماء مدين ووجد الناس يسقون وجد امرأتين قد تنحيتا جانبًا تنتظران أن يفرغ الرجال حتى تسقيا، فلما عرف حاجتيهما لم ينتظر منهما الطلب، بل تقدَّم بنفسه وسقى لهما ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنْ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمْ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24)﴾ (القصص).

 

وهكذا أصحاب النجدة والمروءة يندفعون نحو المكرمات، ومنها إغاثة الملهوف وذوي الحاجات، إنها فطرة في الأنبياء، والصالحين، والإيجابيين، ومن سار على دربهم.

 

محمد صلى الله عليه وسلم

 

رسولنا صلى الله عليه وسلم كان أول المسلمين قيامًا على أمر الناس ومشاركًا لهم في همومهم، يخفف عنهم وطأة الاستضعاف والاضطهاد الاجتماعي، وفي صحيح البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال "كانت الأمة من إماء أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله فتنطلق به حيث شاءت فيقضي لها حاجتها".

 

وهذه هي شهامته وشجاعته وحرصه على مجتمعه وأهله صلى الله عليه وسلم، يروي عنه أنس بن مالك قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وأجود الناس وأشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة فانطلق الناس قبل الصوت، فاستقبلهم النبي صلى الله عليه وسلم قد سبق إلى الصوت وهو يقول: "لم تراعوا، لم تراعوا..."، وهو على فرس لأبي طلحة عرى.. ما عليه سرج، في عنقه سيف فقال: "لقد وجدته بحرًا" (رواه البخاري ومسلم).

 

بينما الناس يستعدون للذهاب إذا به صلى الله عليه وسلم كان قد ذهب وعاد.. إيجابية وشهامة.

 

وهذا أيضًا رسولنا صلى الله عليه وسلم قبل بعثته كان ضمن شمائله الكريمة قضاء حوائج الناس، كما أثنت عليه زوجه الوفية السيدة خديجة رضي الله عنها وأرضاها؛ حيث قالت له يوم أن جاء فزعًا من الغار في بداية الوحي: "كلا والله ما يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق...".

 

ثم كان بعد الرسالة سعيه في ذلك أشد صلى الله عليه وسلم

زانتك في الخلق العظيم شمائل             يغري بهن ويولع الكرماء

فإذا سخوت بلغت بالجود المدى           وفعلت ما لا تفعل الأنــواء

وإذا عفوت فقادرًا ومقدرًا               لا يستهين بعفوك الجهلاء

وإذا رحمت فأنت أم أو أب             هذان في الدنيا هم الرحـماء

 

 

نموذج قرآني - ذو القرنين

 

مجتمع حدد مشكلته بوضوح وهي (الفساد): ﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ﴾ (الكهف: من الآية 94)، فحدد حل مشكلة هذا المجتمع (سدًّا)، لكنهم اخطأوا الوسيلة فقد أرادوها من خارج جهودهم وجهادهم فقالوا ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ (الكهف: من الآية 94)،  لكنه طلب منهم قوتهم العملية ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾ (الكهف: من الآية 95).

 

وهكذا طلب ذو القرنين من هذا المجتمع بذل الجهود وتوظيف الطاقات لتحقيق الهدف المنشود ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (96)﴾ (الكهف).

 

هكذا تفاعل ذو القرنين مع المجتمع فقاموا جميعًا بعمل مشترك، ولم يقم ذو القرنين بالعمل وحده نيابة عن المجتمع، إلا أنه كان مقصد الناس، وكان قديرًا لقضاء حاجة الناس ومشرفًا عليها.

 

رجل ذكر اسمه في الساحات

 

 يقول صلى الله عليه وسلم: "بينا رجل بفلاة من الأرض، فسمع صوتًا في سحابة: اسق حديقة فلان. فتنحى ذلك السحاب. فأفرغ ماءه في حرة (أرض لها مجارٍ كثيرة) فإذا شرجة (مسيل الماء إلى الأرض السهلة) من تلك الشراج قد استوعبت ذلك الماء كله. فتتبع الماء. فإذا رجل قائم في حديقته يحول الماء بمسحاته (مجرفة من الحديد) فقال له: يا عبد الله! ما اسمك؟ قال: فلان- للاسم الذي سمع في السحابة- فقال له: يا عبد الله! لم تسألني عن اسمي؟ فقال: إني سمعت صوتًا في السحاب الذي هذا ماؤه يقول: اسق حديقة فلان. لاسمك. فما تصنع فيها؟ قال: أما إذ قلت هذا، فإني أنظر إلى ما يخرج منها، فأتصدق بثلثه، وآكل أنا وعيالي ثلثًا، وأرد فيها ثلثه" (مسلم)، وفي رواية "اجعل ثلثه في المساكين والسائلين وابن السبيل".

 

ابن عباس والاعتكاف

 

عن ابن عباس رضي الله عنه أنه كان معتكفًا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاه رجل فسلم عليه ثم جلس فقال له ابن عباس:

يا فلان أراك كئيبًا حزينًا، قال: نعم يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم لفلان على حق، لا ورمة صاحب هذا القبر ما أقدر عليه، قال ابن عباس: أفلا أكلمه فيك؟! قال: إن أحببت.

 

قال: فانتقل ابن عباس ثم خرج من المسجد، فقال له الرجل: أنسيت ما كنت فيه؟! قال: لا، ولكني سمعت صاحب هذا القبر صلى الله عليه وسلم والعهد به قريب- فدمعت عيناه- وهو يقول: "من مشى في حاجة أخيه وبلغ فيها كان خيرًا من اعتكافه عشر سنين، ومن اعتكف يومًا ابتغاء وجه الله تعالى جعل الله بينه وبين النار ثلاثة خنادق أبعد ما بين الخافقين" (شعب الإيمان للبيهقي).

 

عبد الله بن المبارك والحج

 

خرج عبد الله بن المبارك إلى الحج فاجتاز بعض البلاد فمات طائر معهم فأمر بإلقائه على المزبلة، فخرجت جارية من دار قريبة فأخذت الطائر الميت ولفته وأسرعت به إلى الدار، فلما سألها لم أخذت الميتة؟!.

 

قالت: إنها وأخاها فقيران لا يجدون شيئًا ولا يعلم بهما أحد، فأمر ابن المبارك برد الأحمال، وقال لوكيله كم معك من النفقة؟ قال: ألف دينار. قال: أبق منها عشرين دينارًا وأعط باقي الألف إلى الجارية وعد بنا إلى مرو، فهذا أفضل من حجنا هذا العام.

 

قال ذو الرياستين لثمامة بن أشرس: ما أدري ما أصنع بكثرة الطلاب المحتاجين، فقال له: ذل- أي اخطأ- عن موضعك وعلى ألا يلقاك منهم أحد، فقال له: صدقت... وجلس لهم في قضاء حوائجهم.

 

أي أن الذي يصرف توجه الناس إليك معصيتك، والذي يدعوهم إليك طاعتك وقدرتك، فاحمد الله على كثرة الطلاب واحمده على الطاعة.

 

أبو بكر يحلب الغنم

 

 كان أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه يحلب للحي أغنامهم، فلما استخلف قالت جارية منهم: الآن لا يحلبها. فقال: بلى وإني لأرجو أن لا يغيرني ما دخلت فيه عن شيء كنت أفعله.

 

رحمك الله يا عمر.. حتى الأرامل؟

 

 ولقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يتعاهد الأرامل بالليل يستقي لهن الماء، فرآه طلحة رضي الله عنه ليلة يدخل بيت امرأة.. فدخل طلحة على المرأة نهارًا فإذا هي امرأة عمياء مقعدة فقال لها: يا هذه ما يصنع هذا عندك؟ قالت: إنه منذ كذا وكذا يتعاهدني يأتيني بما يصلحني ويخرج عني الأذى.

 

فقال طلحة رضي الله عنه: ثكلتك أمك يا طلحة... أعورات عمر تتبع؟

 

حدث أبو جعفر محمد بن القاسم الكرخي قال: عرضت على أبي الحسن علي بن محمد بن الفرات رقعة في حاجة لي فقرأها ووضعها من يده- تركها- ولم يوقع فيها بشيء، فأخذتها وقمت وأنا أقول متمثلاً من حيث يسمع هذين البيتين:

وإذا خطبت إلى كريم حاجة                     وأبى فلا تقعد عليه بحاجب

فلربما منع الكريم وما به                        بخل ولكن سوء حظ الطالب

 

فقال وقد سمع ما قلت: ارجع يا أبا جعفر بغير سوء حظ الطالب، ولكن إذا سألتموني الحاجة فعاودونا، فإن القلوب بيد الله تعالى. فأخذ الرقعة ووقع فيها بما أردت.

 

وعن عبد الله بن الحسن بن الحسين رضي الله تعالى عنهم قال: أتيت باب عمر بن عبد العزيز في حاجة فقال: إذا كانت لك حاجة إلي فأرسل إلي رسولاً أو اكتب لي كتابًا فإني لأستحي من الله أن يراك ببابي.

 

وكان أبو وائل يطوف على نساء الحي وعجائزهم يشتري لهن حوائجهن ويقوم بما يصلحهن.

 

وقال مجاهد: صحبت ابن عمر في السفر لأخدمه فكان يخدمني.

 

كتابة بين الجلد واللحم

 

وكان كثير من الصالحين يشترط على أصحابه أن يخدمهم في السفر.

 

وصحب رجل قومًا في الجهاد فاشترط عليهم أن يخدمهم، وكان إذا أراد أحد منهم أن يغسل رأسه أو ثوبه قال:

هذا من شرطي فيفعله. فمات فجردوه للغسل فرأوه على يده مكتوبًا "من أهل الجنة" فنظروا فإذا هي كتابة بين الجلد واللحم.

 

(11)  وفي الصحيحين عن أنس قال: "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في السفر فمنا الصائم ومنا المفطر. قال: فنزلنا منزلاً في يوم حار أكثرنا ظلاًّ صاحب الكساء، ومنا من يتقي الشمس بيده. قال: فسقط الصوام وقام المفطرون وضربوا الأبنية وسقوا الركاب فقال صلى الله عليه وسلم: "ذهب المفطرون بالأجر".. لأنهم يخدمون إخوانهم ويقومون على مصالحهم فزاد لهم الأجر.

 

(12)  وكان حكيم بن حزام يحزن على اليوم الذي لا يجد فيه محتاجًا ليقضي له حاجة.

 

(13)  أحد الأخوة في مناسك العمرة آثر ألا يقوم بها- أي العمرة- إلا وهو يخدم الآخرين فكان يقف ليجد امرأة عجوزًا على كرسي فيطوف بها ويسعى حتى ينتهي ولربما لا يعرفها، خدمة وحسبة لله عز وجل وطمعًا في الثواب وأيضًا إدمان للخدمة.

 

(14) أحد الأخوة الشباب وكان أكبر سنًّا من زملائه في شقة يعيشون معًا فكان يقوم بالليل يصلح من شأن أحذيتهم ويغسل الجوارب (الشرابات) فيقومون صباحًا ولا يعلمون من قام بهذا الأمر.

 

(15) الأستاذ محمد حامد أبو النصر- رحمه الله- وكان من عائلة ميسورة تأتي له بملابس داخلية كثيرة بناء على طلبه، وكان يقوم ليلاً باستبدال ملابس إخوانه القديمة بالجديدة، فيقومون صباحًا، ولا يعلمون من قام بهذا الصنيع، ولربما ظن بعضهم أنها كرامة من الكرامات، وأن الملائكة هي التي تقوم بخدمتهم!!!.

 

(16) الإمام البنا- عليه رحمة الله- وكان ذاهبًا إلى بلاد الصعيد للقاء إخوانه، وعقد مؤتمر هناك، فينزل المحطة ويجد إخوانه في استقباله بسعادة غامرة إلا واحدًا، فتوجه إليه وأصر على معرفة حزنه فأخبره بأن زوجته تنتابها حالة صرع، فذهب إليه الإمام البنا وقرأ لها قرآنًا فقامت بعافية وشفيت بفضل الله، ثم ذهب إلى إخوانه وكأن شيئًا لم يكن.

 

(17) هذا سليل بيت النبوة علي بن الحسن وهو يغسل عند موته وجدوا أثرًا على كتفه ولم يعرف له سببًا وبعد أيام من موته خرج الفقراء من بيوتهم يبحثون عن طعام وكساء، فلما سألوا في ذلك قالوا: كان يكفينا بذلك علي بن الحسن يأتينا يحمل على كتفه بالليل... حتى مات انقطع ذلك عنا، فعلموا أن الأثر الذي على كتفه من جرَّاء خدمته الفقراء وحمله إليهم.

 

(18) كان سلفنا الصالح رياحين من رياحين الجنة إذا شمها المؤمنون اشتاقت نفوسهم إليها.
قال عنهم مجاهد: ما المجتهد فيكم اليوم إلا كاللاعب فيهم.

 

مجتهد القرن الثالث الهجري كاللاعب فيهم!! فكيف بمجتهد القرن الخامس عشر؟!.

 

* بعث معاوية بن أبي سفيان إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنهما بمائة ألف، ففرقتها من يومها فلم يبق منها درهم، فقالت لها خادمتها: هلا بقيت لنا درهمًا نشتري به لحمًا لتفطري عليه؟ فقالت: "لو ذكرتني لفعلت".

 

(19) وبلغت الرحمة من أويس القرني مبلغًا، كان معه إذا أمسى تصدق بما في بيته من الفضل من الطعام والثياب، ثم يقول: "اللهم من مات جوعًا فلا تؤاخذني به، ومن مات عريانًا فلا تؤاخذني به".

 

وكان مع فقرة وحاجته يلتقط الكسرة من المزابل فيغسلها ويتصدق ببعضها ويأكل بعضها ويقول: "اللهم إني أبرأ إليك من كل كبد جائع".

 

(20) أثناء سجن الكاتب المصري المعروف مصطفى أمين سنة 1965 صدر قرار بمنعه من الأكل والشرب، لإجباره على تغيير مواقفه..

 

كلنا يعلم أن الأكل ممكن الاستغناء عنه لفترة، أما العطش فهو عذاب لا يحتمل وكان الجو حارًّا جدًّا.. والعطش قاسيًا جدًّا.. وهو مريض بالسكر ومرضى السكر يشربون الماء بكثرة.

 

في اليوم الأول شرب ماء الاستنجاء الموجود في الحمام!.

 

وفي اليوم التالي وجد الإناء خاليًا لأنهم اكتشفوا أنه يشرب منه!.

 

حتى أنه اضطر أن يشرب من ماء البول أعزكم الله!.

 

وفي اليوم الثالث لم يجد حتى بوله ليشربه!.

 

وبينما هو يدور كالمجنون في الغرفة، ويترنح، رأى باب الزنزانة يفتح بهدوء ثم رأى يدًا تمتد في ظلام الزنزانة تحمل كوبًا كبيرًا من الماء المثلج!.

 

تصور أنه هذيان، أو غيبوبة سكر، يقول فمد يده ولمس الكوب فوجد المياه باردة جدًّا.. وعندما رفع رأسه رأى حامل الكوب يضع أصابعه على فمه.. وكأنه يقول لا تتكلم.

 

شرب الماء بسرعة، يقول إنه ألذ كوب ماء شربه في حياته!! ثم اختفى الحارس المجهول بسرعة؛ ولكنه عرف ملامح وجهه.

 

وعندما خرج في الغد للتريض خارج الزنزانة رآه وعرفه فهرع إليه ليسأله: لماذا فعلت ما فعلت؟.

 

لو كانوا ضبطوك فممكن أنهم سيفصلونك؟!.

فقال الحارس: يفصلوني فقط؟! كانوا سيقتلونني رميًا بالرصاص!.

فقال له: ما الذي جعلك تقوم بهذه المغامرة؟!.

قال: إنني أعرفك وأنت لا تعرفني، منذ 9 سنوات تقريبًا أرسل فلاح في الجيزة خطابًا لك يقول فيه:

إنه فلاح في إحدى القرى، وإن أمنية حياته أن يشتري جاموسة ليعيل أولاده ويعيش على خيرها.. وأنه مكث 7 سنوات يقتصد في قوته وقوت عياله حتى جمع مبلغًا.. ثم باع مصاغ زوجته واشترى بالمبلغ جاموسة وبعد كم يوم ماتت الجاموسة!! وحزن عليها حزنًا شديدًا، حكى لك ذلك الفلاح قصته وتمنى عليك أن تهديه جاموسة بدل التي ماتت.. بعد ذلك بشهور دق باب البيت الصغير الذي يملكه الفلاح ودخلت محررة من جريدة (أخبار اليوم) تجر وراءها الجاموسة التي أهديتها إياه!.

 

وكانت (أخبار اليوم) قد اعتادت أن تحقق أحلام مئات من قرائها في ليلة القدر... من كل عام.

 

ثم قال: هذا الفلاح الذي أرسلتم له الجاموسة منذ 9 سنوات هو أبي، هكذا... رد الجميل.

 

(21) يذكر أن رجلاً يسمى ابن جدعان قال: خرجت في فصل الربيع، وإذا بي أرى إبلي سمانًا يكاد الربيع أن يفجر الحليب من ثديها، وكلما اقترب الحوار- ابن الناقة- من أمه درت عليه وانهال الحليب منها لكثرة الخير والبركة، فنظرت إلى ناقة من نياقي ابنها خلفها، وتذكرت جارًا لي له بنات سبع، فقير الحال فقلت: والله لأتصدقن بهذه الناقة وولدها ل

 

Share |