
الإمام المرشدالشيخ فيصل مولوي
الشمس التي غابت في زمن الحلكة
بقلم: الشيخ سامي الخطيب
تتزاحم الأفكار وتتسابق الكلمات الدامعات، وتتيه مني الحروف التي طالما كانت مطواعة عند الطلب، ولا عجب فالأمر جللٌ والخطب جدُّ خطير، لقد ترجَّل الفارس، وذوى الأفق الرحب، وغابت الشمس، وتوارى القمر، ورحل الإمام الأمين، والقاضي النزيه، والقائد الشجاع، والإداري الدقيق، والفقيه الحكيم، والسياسي الحاذق، والعالم الرباني الشيخ فيصل مولوي، نعم.. لقد رحل الملجأ في الملمَّات، والحَكَم العَدْل في المشكلات، والرائي المبصر للقادمات، لكنها إرادة الله..
يرجع أول عهدي بالإمام الربَّاني إلى السنوات الأولى من عام 1985 بعد بيعة وعهد، لتتوالى اللقاءات الغنية، التي تنوعت وتعدَّدت من اجتماع إداري إلى لقاء فكريّ أو تربويّ، ومن ملتقى دعوي إلى مخيم أسري أو طلابي، حتى كان اليوم الذي بلغني فيه ذلك النبأ الصاعق بمرضٍ ألزمه فراش المستشفى، وحرم منه محبيه ومريديه. زرته في المستشفى بصحبة أخي الشيخ محمد خير فرج، وكان الرجل في حال صعبة، يرى الأطباء أن خطورتها تستلزم منع مريديه من زيارته إلا في حالات خاصة ولدقائق معدودات، استقبلنا بوجهٍ طلقٍ وابتسامةٍ آملةٍ رغم مظاهر المرض والإعياء، وقال يومها فيما قال: "الحمد لله، أنا لا أخشى الموت، فهو قدر الله المحتوم، لكني أخشى أن أُقْعَد وأحتاج المساعدة"، ثم زرته مرة أخرى ورأيت الكبار عندما يذوون، ورأيت الكبار كيف يبقون كباراً وهم يموتون، ورأيت الجسد النَّحيل الضعيف يحمل نفساً عظيمة، وروحاً عملاقة، وإيماناً بالله تجسَّد في كلمة "الحمد لله" يردِّدها الرجل الكبير في رضى واطمئنان إلى قضاء الله وإرادته.
أعرف أنني لن أفي الرجل حقه في كلمات عاجزات، لكنه الوفاء للرجل الذي علمنا الوفاء، ومحاولة تلمُّس بعض مناحي العظمة في سيرته ليسترشد بها السائرون الحريصون على أصالة المنهج وصوابية المسار، فلقد كان رحمه الله تعالى من أولئك النفر القلائل الذي جمعوا مع فقه النصوص معرفة الواقع، وإلى صفاء الإيمان عزيمة الإصرار، فضلاً عن مهارات في الإدارة قلَّ أن توجد في رجل يستطيع بحكمة القائد وذكائه، ونقاء القاضي وفقهه أن يلامس فيك شغاف قلبك قبل أن يملك عليك مناحي عقلك، فتجد نفسك مشدوداً للرجل مطواعاً له، مقتنعاً بسلامة حكمه وصفاء توجيهه، وهو ما عايشته حين كان السفر إلى كندا إرادة جازمة عندي عام 1985 لكن هذه الإرادة تغيرت حين طلب مني عدم السفر معللاً طلبه بواجب الوقت وفقه الأولويات.
القاضي النزيه:
تشهد له قاعات المحاكم الشرعية بنزاهة الحكم وحكمة الفتوى ونظافة الكفِّ، حتى أصبح مضرب المثل في ورعه وفقهه وتقواه، ومن طرائف ما يمكن نقله في هذا المقام ما حدثني به غير مرة "أبو بشير جحا" الذي عمل في المحاكم الشرعية سنوات طوالاً، ومرَّ به خلال سنوات عمله الطويلة الكثير الكثير من القضاة، لكنه كان يرى في تدين الشيخ فيصل مولوي وورعه وتقواه ما جعله – على بساطته – يكرَّر: "لم يكتمل هذا الأمر إلا مع اثنين: النبي عليه الصلاة والسلام والشيخ فيصل مولوي!!"، وهي شهادة في نزاهة قضائه وعظيم فقهه سمعتها من المفتي الشيخ خليل الميس، ونقلها إليَ ثقة عن لسان المفتي الراحل عبد الرؤوف القادري..
الإداري الحكيم:
وكان رحمه الله تعالى حكيماً في إدارته، لا يلقي كلماته جُزافاً، ولا يعرف اللغو إلى حديثه مكاناً، تعرض أمامه المسائل، وقد تعلو الأصوات وتتداخل الأمور وتكثر الآراء، لكن الشيخ كان إذا تكلَّم فكلامه الفصل، وإذا قال فقوله الأمر، ولم أرَ مثله رحمه الله تعالى قدرة على الإحاطة بالمشكلة من كلِّ جوانبها، واستيعاب الآراء رغم تباينها وتداخلها، وتوزيع الأعمال ليشعر من يعمل معه أنه أساس فيما أسند إليه من مهامّ. لم أسمع منه يوماً كلاماً غير موزون، ولا رأيته مرة وقد ارتفع صوته أو تجاوز الحدَّ في غضبه، بل كان يؤمن بضرورة الخلاف في الفروع، وفرضية أن ندير هذا الخلاف بوعي ومسؤولية، لنحوِّله إلى اختلاف غنى وتنوعٍ لا خلاف تضادٍّ وتنافر.
السياسي الحاذق:
كان السبَّاق إلى وضع الأمور في نصابها بعد زلزال اغتيال الرئيس رفيق الحريري رحمه الله، فلم ينجرَّ إلى اتهام سوريا، ولا تردد في اتهام من تقع عليه المسؤولية، ولا جبُن عن تحميل المسؤولية للأجهزة الأمنية، وطالب بمحاكمتها ليأخذ القضاء مجراه، كما طالب بمحكمة دولية تحت مظلَّة عربية، وكان أول من طرح "الاستراتيجية الدفاعية" التي تشغل بال الساسة وتعتبر المدخل اليوم لجمع اللبنانيين على كلمة سواء، وهو الذي قاد الجماعة وسط أعاصير الفتن التي عصف بلبنان والجوار، فكان نعم الرُّبَّان الذي يحمل البوصلة ويقود الركب إلى شاطئ الأمان بأصالة المؤمن المتسمك بمبادئه، وصلابة الفارس المدافع عن ثوابته، وحنكة السياسي القادر على تدوير الزوايا وتقدير الأحداث وقراءة الواقع واستشراف المستقبل واستباق.
القائد المجاهد:
تحضرني وأنا أتحدث عن الإمام المرشد رحمه الله صورة الخليفة الأول أبي بكر الصديق رضي الله عنه في نقاء سريرته ورقة قلبه وإخباته وتواضعه، حتى إذا جدَّ الجِدُّ وادلهمَّ الخطب وطاشت عقول الرجال كان الرجل الصلب بقوة وصلابة وثبات، هكذا كان موقفه في حروب الرّدَّة وبعث أسامة بن زيد رضي الله عنه، ومثله كان الشيخ فيصل رحمه الله صفاءً ورقة وإخباتاً وتوضعاً، تعلو وجهه هيبة وقار، ويشرق جبينه بصفاء إيمان، حتى إذا احتاج الموقف إلى قرار الرجال كان هو الرجل، ولا زلت أذكر يوم دعانا على عجل في 16/7/2006 لمناقشة الموقف من العدوان الصهيوني، يومها كأن أجرأ الحاضرين وأقواهم طرحاً، فقد وجدها فرصة للجهاد لا ينبغي أن نتخلى عنها، وعندما روجع وقيل له: "إنّ أيَّ عمل عسكري يستدعي جهداً أمنياً لا يتيسَّر لنا، فمراكزنا مكشوفة، وحركة قياداتنا معروفة، واستهداف الأمين العام سيكون أولوية العدوِّ بعد أول رصاصة نطلقها"، قال بلسان المؤمن الواثق: "إنها مسؤوليتنا، وفرصتنا لقتال عدونا، والأعمار بيد الله، وأدعو الله أن يرزقني الشهادة".
العالم الرباني والداعية الملهم والفقيه الحكيم:
ارتوى رحمه الله تعالى من معين النبوة منهجاً عذباً فراتاً، مكَّنه رحمه الله من قراءة النصوص ومعايشة الواقع بأصالة لا تغيب عن المعاصرة، وواقعية لم تكن يوماً على حساب الثوابت والمبادئ، فكان العَلَم البارز في محافل العلم وقاعات المحاكم ومجامع الفقه ومنتديات الحوار ومؤتمرات الفكر والتربية والوسطية والأصالة، ولا زلت أذكر لجوء الجميع إليه في اجتماعات الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين في تركيا عام 2006، وترشيحه بالإجماع لمجلس أمناء الاتحاد، فقد كان رحمه الله العالم العلم، يتقن الفتوى كما يتقن الحوار، ولقد سمعت الإشادة بعلمه وفقهه من كبار علماء العصر أمثال العلامة القرضاوي والعوا وقره داغي وصلاح سلطان وعبد الله بن بيه، ومحمد حسين فضل الله، كلهم يعتبره العالم الفيصل، ويرى فيه الفقيه المتقن، والدعاية الرباني، والقاضي الحكيم، والتقي الورع.
رحم الله الإمام الشيخ فيصل مولوي، فقد كان أمَّة في رجل، أعطى الكثير وكان لنا مصدر أمان ومبعث اطمئنان، ثم فارقنا في حلكة من الليل دامسة، لكنَّ عزاءنا بأن حمل الراية من بعده صديق عمره ورفيق دربه، و"رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلاً".
