




حذَّر عددٌ من رموز الإعلام والصحافة من مواصلة التواطؤ الحقيقي والمتعمد من الإعلام المصري لتغييب الأبعاد الخطيرة للنتائج المترتبة على استفتاء انفصال جنوب السودان عن شماله، والمزمع إجراؤه في التاسع من يناير الجاري، مؤكدين في الوقت ذاته أهمية تسخير كافة الأجهزة الإعلامية لتناول القضية لمحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه.
وطالبوا بتعزيز الاتجاه الإعلامي نحو وحدة السودان، للتصدي للأطماع الغربية والصهيونية التي ترمي لانفصال جنوب السودان عن شماله للسيطرة عليه، وعلى موارده وزرع قوات دولية غربية جديدة في قلب الوطن العربي، وبين الحدود السودانية المصرية، من أجل التلاعب في حصص مياه النيل وغيرها.
وانتقدوا أداء الإعلام المصري الرسمي، واتهموه بمحاولة "تمييع" القضية، واتخاذ منحى مختلف لها بما يحقق مصالح النظام المصري مع الدول الغربية، ودعوا أجهزة الإعلام لإطلاق كافة الجهود الإعلامية الممكنة للحفاظ على السودان الشقيق خلال الأيام القادمة.
وأكد الإعلامي حسين عبد الغني المدير السابق لمكتب قناة (الجزيرة) بالقاهرة أن الإعلام المصري تأخر كثيرًا في التعامل مع القضية، مشيرًا إلى أنه إذا أراد الإعلام بالفعل أن يحافظ على وحدة السودان كان عليه بدء حملته لمناهضة ذلك منذ اتفاق نيفاشا.
وأضاف: على الإعلام الفترة المقبلة أن يتجه لعرض ما يثبت أن الاستفتاء هو الخيار السلمي الأفضل، ولكن عليه أن يدعو جموع الشعب السوداني إلى خيار الوحدة والمشاركة في الاستفتاء بقوة وإيجابية لاختيار الأنسب؛ فالجنوب ينقصه الكثير دون الشمال من عناصر الدولة، والعكس فإن الشمال ينقصه التنوع الموجود في الجنوب خاصة منطقة "آبيي" لتلافي التغييب المصري الواضح للأزمة على ساحات الإعلام المختلفة.
ولفت إلى دور الإعلام العربي خلال الفترة المقبلة في التنبه لكيفية التصدي لأطماع ومصالح الغرب، وعدم قطع الروابط بين الشمال والجنوب في السودان، مشيرًا إلى أنه حتى وإن ظهرت نتائج الاستفتاء لتؤيد الانفصال فلا يجوز للإعلام أن يتبنى تكريس العداء بين الجانبين حتى لا نترك ذريعة لأهل الجنوب ليرتموا في أحضان الغرب والكيان الصهيوني كما سبق وحدث مع إثيوبيا وإريتريا.
وأوضحت د. منال أبو الحسن أستاذ الإعلام بجامعة 6 أكتوبر أن الإعلام المصري الرسمي لم يلتفت إلى تحليل الأزمة وجوانبها كبعد إستراتيجي مهم لمصر، ولم يعط لها حقها المطلوب خاصة خلال تلك الفترة الحرجة، مشيرة ًإلى أنها أعدت دراسة بشأن اهتمام الفئة العمرية من 20 إلى 50 عامًا بالقضية السودانية بناءً على ما يتم استقاؤه من الإعلام، ووجدت أن معظمهم غير مهتم بالقضية في مؤشر بعدم الإحساس بالأزمة.
ووصفت ما يتناوله الإعلام الرسمي، والخاص أيضًا بأنه محاولة لـ"تمييع" القضية، مطالبة أجهزة الإعلام في مصر أن تضع القضايا الحيوية على أجندتها وتقديم مادة دسمة ومكثفة حول القضية وتفاصيلها تتضمن عرض وثائقيات لتوضيح تاريخ بدء الأزمة، وانعكاس قرار الانفصال على الأمن والاستقرار المصري.
وشددت على أهمية الإعلام كأداة لضبط الأجندة السياسية والإستراتيجية لمصر خلال الفترة المقبلة، داعيةً إلى تبني الإعلام المصري المستقل حملة لمناصرة القضية السودانية وإظهار أبعادها، وزيادة وعي المواطن المصري بما يحاك بالسودان الشقيق، خاصةً إذا كان الإعلام الحكومي لا يُعول عليه كثيرًا بعد أن اتضح تبعيته للأجندة والمصلحة الخارجية، وتعزيز الفكرة نحو انفصال الجنوب السوداني، وهو ما ينعكس ويتجلى في تناول الإعلام الرسمي الحكومي للأزمة.
وناشدت الإعلام المستقل بتبني حملة مكونة من 3 مراحل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه خلال الأيام القليلة المتبقية قبيل الموعد الرسمي للاستفتاء في 9 يناير الجاري، وتتكون الحملة من: تعزيز الجانب المعلوماتي نحو الأزمة وأبعادها، وعرض الوثائقيات المختلفة، وعرض البرامج الحوارية والتفاعلية مع الجمهور للتواصل، وفتح باب التحاور حول الأجزاء الغامضة من أبعاد الهجمة الغربية على السودان ومحاولات تفكيكها.
وقال جمال فهمي عضو مجلس نقابة الصحفيين، ومقرر لجنة الشئون العربية والخارجية إن هناك تقصيرًا بشعًا من النظام المصري تجاه القضية السودانية وبالتبعية أجهزة الإعلام الرسمية، منتقدًا أداء النخب المثقفة، ومعظم أقلام وأبواق الإعلام المستقل، خاصةً أن الكارثة الحقيقية حدثت بالفعل بعد أن نجح النظام المصري في تغييب وإلهاء الأجهزة الإعلامية في تغطية أحداث الانتخابات البرلمانية المزورة، وأحداث الإسكندرية الأخيرة وغيرها.
وتابع: الإعلام المصري يتسم بالجهل الفادح بالقضايا العربية وخاصة السودانية، بعد أن دُفعت الأمور في هذا الاتجاه بطريقة بها عدم مسئولية، ما يكشف عن فضيحة حقيقية لافتقاد الإعلام الحدود الدنيا من الثقافة بشأن حدود الدول الأكثر التصاقًا بنا، وهو السودان الشقيق.
واتهم الإعلام المصري بتكريس الشعور بالتعالي، والنظرة الدونية من قبل الشعب المصري تجاه الشعب السوداني، متناسيًا أن ما يربطنا بالسودان هو مسألة حياة أو موت، مؤكدًا أن الإعلام هو الجزء الأكثر سوءًا من منظومة متكاملة تواطأت ضد الشعب السوداني، فأصبحنا نفتقد الكوادر الإعلامية المصرية التي يمكنها تبني القضية السودانية على صفحاتها وشاشاتها.
وربط فهمي بين الأداء الإعلامي السطحي والجاهل الذي لا يكاد يعرف أهمية، وخطورة ما يدور الآن بالسودان، وبين حاجة البلاد لإستراتيجية متكاملة التي تعد العلاج الحقيقي للأزمة فكل مَن يستطيع أن يفعل شيئًا عليه البدء فورًا، خاصةً أن كانت تلك الجهزة الإعلامية يسيطر عليها نظام لا يراعي أي مصلحة وطنية، مؤكدًا أن دعم القضية والوحدة السودانية يبدأ من القاهرة.







